الخطيب الشربيني
444
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الصعبة جدا لغيره قادر على تطويع الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى فَمِنْها رَكُوبُهُمْ أي : ما يركبون وهي الإبل ؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها وَمِنْها يَأْكُلُونَ أي : ما يأكلون لحمه . ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ذلك كثيرة قال تعالى : وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ أي : من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ذلك وَمَشارِبُ أي : من ألبانها جمع مشرب بالفتح ، وخص الشرب من عموم المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى : أَ فَلا يَشْكُرُونَ أي : المنعم عليهم بها فيؤمنون . ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخا لهم : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ أي : غير اللَّهِ الذي له جميع صفات الكمال والعظمة آلِهَةً أي : أصناما يعبدونها بعدما رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ أي : رجاء أن ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس كما قال تعالى : لا يَسْتَطِيعُونَ أي : الآلهة المتخذة نَصْرَهُمْ أي : العابدين وَهُمْ أي : العابدون لَهُمْ أي : للآلهة جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي : الكفار جند الأصنام فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا ، وقيل : هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] وقوله تعالى : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 22 - 23 ] . ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا والآخرة ذكر ما يسلي نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أي : في تكذيبك كقولهم : لَسْتَ مُرْسَلًا [ الرعد : 43 ] إِنَّا نَعْلَمُ ما أي كل ما يُسِرُّونَ أي : في ضمائرهم من التكذيب وغيره وَما يُعْلِنُونَ أي : يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم عليه . ولما ذكر تعالى دليلا على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ذكر دليلا من الأنفس أبين من الأول بقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ أي : يعلم الْإِنْسانُ علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر أَنَّا خَلَقْناهُ أي : بما لنا من العظمة مِنْ نُطْفَةٍ أي : شيء حقير يسير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام فَإِذا هُوَ أي : فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه خَصِيمٌ أي : بليغ الخصومة مُبِينٌ أي : في غاية البيان عما يريده حتى إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك « 1 » :
--> ( 1 ) البيتان من الوافر ، وهما لمعن بن أوس في ديوانه ص 34 ، وله أو لمالك بن فهم أو لعقيل بن علفة في لسان العرب ( سدد ) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 27 ، وتاج العروس ( سدد ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( خفق ) ، وأساس البلاغة ( سدد ) ، وكتاب العين 7 / 183 .